محمد العربي الخطابي
310
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
فيها من القول ، وهو المأخوذ من تأثيرها وأفعالها في الأبدان المعتدلة ، لأن كلّ دواء أو غذاء إذا ورد على البدن المعتدل لا تخلو كيفيته من أن تؤثّر فيه إما في الغاية وإما بعيدا من الغاية وإما فيما بينهما . فإذا ثبت لنا هذا وتحقّق عندنا فليس بالبعيد - إذا غلب واحد من الأخلاط على البدن المعتدل - أن يعمل فيه هذا القياس ، إذ الأخلاط منحصرة تحت الأربع الدرجات كما أنّ الأدوية أيضا منحصرة تحت الأربع الدرجات ، فما هو الفرق بين هذا التعريف ، وهنا يجب حسن النظر للطبيب الماهر اليقظان ، وإلى هذه الوجوه وجوه أخرى كثيرة يستخرج منها درج المرض دون أن يخطئ القياس فيها ، ولولا أنّني قصدت الاختصار والإيجاز لطوّلت في ذلك ، لكنّي فيما ذكرت فيه الكفاية لمن فهم . فإذا صحّ عند الطبيب أنّ البدن المعتدل خرج عن الاعتدال بجزء واحد من الحرّ لزمه أن يقابله بدواء يكون في جزء واحد من البرد فقط كي يقاوم الجزء من البرد الجزء الغالب من الحرّ ويصرفه إلى الاعتدال الطبيعيّ الذي كان عليه أولا ، وكذلك يجب أن يفعل في سائر الأجزاء الباقية ، وهذا بعيد شاقّ على كثير من الأطبّاء لا سيّما من لم يعلم منهم كيف حتى بلغ الأوائل إلى تحقيق درجات الأدوية المفردة والمركّبة أيضا ، لأنهم لو أنعموا النظر وأجالوا الفكر لوجدوا الأمر واحدا لا فرق بينهما إذ الأصل في كل واحد منهما البدن المعتدل . وأنا أقول : إنّ الدواء المعتدل هو الذي تساوت أجزاؤه واعتدلت كيفياته ، فإذا صحّ ذلك فيه قيل إنه معتدل على الحقيقة ، والمعتدل المتساوي الكيفيات هو أن يكون فيه من الحرّ بقدر ما فيه من البرودة ، ويكون فيه من الرطوبة بقدر ما فيه أيضا من اليبوسة ، فما كان على هذه السبيل من التركيب سمّي معتدلا لأنّ الكيفيات فيه معتدلة لم يعل بعضها بعضا ، وذلك أنّا لو جعلنا الحارّ الذي لا يتبيّن إلا ببرهان وتحقيق نظر في الدرجة الأولى وجعلنا ما ظهرت حرارته ولم تضر لامسه في الدرجة الثانية ، وجعلنا ما لذع لامسه ولم يحرق في الدرجة الثالثة ، وجعلنا ما أحرقت حرارته وفرّقت أجزاء لامسه في الدرجة الرابعة ، وبالضدّ في الدرجة الأولى ، فوجب أن يكون المعتدل فيما بين الذي في الغاية من الحرارة - وهو الذي يفرّق أجزاء لامسه ويحرقها - وبين الذي هو ضدّ ذلك - وهو الذي يجمع أجزاء لامسه ويضمّها - لأن الذي في غاية الحرارة بعيد من الاعتدال بأربع درجات ، والذي في غاية البرودة بعيد من الاعتدال أيضا بأربع درجات .